ابن ميثم البحراني
28
شرح نهج البلاغة
ليخدعه عمّا يريد منه . فمن ذلك أنّ معاوية قال له يوما : يا أبا عبد اللَّه إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الَّذي عصى اللَّه وشقّ عصا المسلمين وقتل الخليفة وأظهر الفتنة وفرّق الجماعة وقطع الرحم . فقال عمرو : من هو . قال : علىّ . فقال : واللَّه يا معاوية ما أنت وعلىّ حملي بعير ، ليس لك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا جهاده ولا علمه واللَّه إنّ له مع ذلك لحظَّا في الحرب ليس لأحد غيره . ولكنّي قد تعوّدت من اللَّه إحسانا وبلاء جميلا . فما تجعل لي إن بايعتك على حربه وأنت تعلم ما فيه من الغرور والخطر قال له : حكمك . قال له : مصر الطعمة . فلم يزل معاوية يتلكَّأ عليه ويماطله وهو يمتنع عن مساعدته حتّى رضى معاوية أن يعطيه مصر . فعاهده على ذلك وبايع عمر ومعاوية ، وكتب له بمصر كتابا . فذلك معنى قوله عليه السّلام : ولم يبايع معاوية حتّى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا ، ثمّ أردف ذلك بالدعاء على البايع لدينه وهو عمرو بعدم الظفر في الحرب أو بالتمن بقوله : فلا ظفرت يد البايع ، وألحقه بالتوبيخ والذّم للمبتاع بذكر هو أن أمانته عليه وهى بلاد المسلمين وأموالهم الَّتي أفاءها اللَّه عليهم ، ويحتمل أن يكون إسناد الخزي إلى الأمانة إسنادا مجازّيا أو على سبيل إضمار الفاعل يفسّره المبتاع أي والخزي المبتاع في أمانته بخيانته لها ، وذهب بعض الشارحين إلى أنّ المراد بالبايع معاوية وبالمبتاع عمرو . وهو ضعيف . لأنّ الثمن إذا كان مصرا فالمبتاع هو معاوية . ثمّ لمّا ظهرت دعوة معاوية لأهل الشام ومبايعة عمرو له كان ذلك من دلائل الحرب فلذلك أمر عليه السّلام أصحابه بالتأهّب لها وإعداد عدّتها ، وكنّى عمّا ذكرناه من إمارات وقوعها بقوله : وقد شبّ لظاها وعلا سناها . كناية بالمستعار . ووجه المشابهة بين لهب النار وسناها وأمارات الحرب كونها علامات على أمرين هما مظنّة الهلاك ومحلّ الفتنة ، ويحتمل أن يكون إطلاق لفظ السنا ترشيحا للاستعارة ، ثمّ أردف ذلك بالأمر بالصبر في الحرب واستشعاره إمّا أن يراد به اتّخاذه شعارا على وجه استعارته من الثوب لملازمته الجسد ، أو يراد اتّخاذه علامة لأنّ شعار القوم علامتهم أيضا ، ويحتمل أن يكون اشتقاقه من الشعور أي ليكن في شعوركم الصبر وإن كان الأشتقاقيّون يردّون الشعار بالمعنى الثاني إلى الشعور . وقوله : فإنّ ذلك أدعى إلى النصر . بيان لفائدة اتّخاذ الصبر شعارا أو علامة ، أمّا